قصة دراستي



لعلها تجربة جديدة .. وفريدة من نوعها في بلادنا ..
فقد اعتاد الناس أن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس لتعليمهم ..
وقبل ذلك يقومون ببحث طويل عن المدرسة الأنسب ..
والأفضل من كل النواحي ..

إلا أن والديّ العزيزين ( حفظهما الله ، وأطال في عمرهما ) قررا
خوض تجربة مميزة بعد أن وضعوا سلبيات المدارس التعليمية وإيجابياتها ..
وسلبيات وإيجابيات تجربتهم الجديدة ..
وقد نالت الفكرة على استحسانهما .. وبدءآ بتنفيذها ..

كانت أمي معلمة في إحدى المدارس الحكومية بالكويت ..
ولها من خبرة التدريس ما يؤهلها لخوض فكرة التعليم المنزلي مع أبنائها ..
فبدأت بتعليمي القراءة والكتابة قبل أن أدخل عامي الثالث من العمر ..
وما أن بلغت الثالثة والنصف حتى كنت متقنة تمام الإتقان للقراءة والكتابة ..
أقرأ حتى من جريدة ..
وتركت أمي التدريس بالمدارس .. والتفتت إلى تعليمنا وتدريسنا ..

ومع دخولي عامي الرابع .. أحضرت لي كتب المدرسة لمنهج
الصف الأول الإبتدائي ..
وبدأت بتدريسي .. كل المواد .. كما لو كنتُ في مدرسة ..
وما انتهيت من الخامسة من عمري حتى كنتُ قد أتممتُ دراسة
الصفين الأول والثاني الإبتدائي كاملين ..

إضافة إلى حفظ جزأين من القرآن .. ومواد أخرى كثيرة ..
وسَمع بي أحد الصحفيين .. فعمل لي مقابلة في جريدة القبس الكويتية
تحت عنوان ( الطفلة المعجزة - خمس سنوات )

وقتها .. شعر والداي بالفخر لنجاح تجربتهما الأولى ..
وصمما على عدم دخولي لمدرسة عادية ..
أحضرا لي بعض المُعلمات في العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية ..
ثم معلمة للغة الألمانية عندما بلغت العاشرة من عمري ..
إضافة إلى اهتمامهم بتعليمي .. الفقه والحديث والتفسير .. والشعر والأدب ..
وإحضار الموسوعات العلمية المصورة .. وكتبا وقصصا منوعة ..

فأبي شيخ علاّمة .. متفردٌ في عصره بعلمه الكبير الواسع ..
وأمي .. خريجة شريعة من جامعة دمشق في سوريا ..

أنهيتُ حفظ القرآن كاملا وأنا في الرابعة عشر من عمري ..
وحفظتُ كتاب رياض الصالحين في الأحاديث النبوية الشريفة أيضا في
ذلك العمر .. ودرست علوما كثيرة بفضل الله ومنه ..
وبعمل والديّ الحبيبين - أسأل الله أن يُجزل لهما الثواب في الدنيا
والآخرة - فقد أحسنا صُنعا وأدّيا الأمانة على أحسن وجه ..

وما ندمتُ لحظة من حياتي لعدم دخولي إلى مدرسة ..
مع أن نظرات الناس من حولنا كانت تشفق علينا ..
تحسب أن المدرسة هي التي تؤهل الإنسان إلى خوض معركة الحياة ..
وما كانوا يعلمون أن العلم والثقافة هي التي تؤهله لخوض غمار الحياة ..
وأن العلم والثقافة لا يأتيان من مدرسة ..
وأن المدرسة بعصرنا الحالي .. لا تفيد الطفل قدر ما تهدم أخلاقه ونفسيته ..

ونحن كنا ننظر أيضا - إلى مَن ينظر إلينا بنظرة ضعف - نظرة إشفاق لأنهم
لا يعرفون الحقيقة فقد أحببنا التميز في كل شيء .. وكبرت عندنا هذه الصفة ..
وحتى الآن .. لا نرغب أن نكون كغالبية المجتمع ..
وإنما نسعى لأن نكون من المميزات فيه بكل خطوات حياتنا ..

أنا وأخواتي الآن .. من المشجعات .. والمرغبات لفكرة التعليم المنزلي ..
وقد بدأت هذه الفكرة تأخذ لها مكانا في بعض الدول المتقدمة ..
ففي أمريكا على سبيل المثال يدافعون عنها .. ويقولون أنها الطريق الأسلم
لبناء جيل صالح .. غير مضطرب .. ويسمونها :
home school
وقد بدأ الكثير من المحافظين هناك بعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس
النظامية وتسجيلهم عن طريق هذه المدارس فقط ..

انتهيت من دراستي الثانوية في الخامسة عشر من عمري ..
وحضرت مع أبي لمدة عامين في كلية الشريعة بالكويت ( مستمعة )
لبعض العلوم الشرعية مع بعض الأساتذة الأفاضل ..
وقدمت بعض الاختبارات .. مجرد اختبار لنفسي
من غير أمنية بنيل شهادة من وراء الاختبار ..

الفرق بين زماني والزمن الحالي ..
أننا في الزمن الحالي نستطيع أن نعلم أبناءنا في البيت مع إمكانية
تسجيلهم بمدرسة من النوع المنزلي .. ويقدمون امتحانا في آخر العام ..
وينالون شهادة ..

وقد درست الدراسة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية بالبيت ..
ثم انتسبت إلى إحدى الجامعات في الشريعة والأدب العربي بعد اختبار تقيميّ

وأسأل الله التوفيق الدائم ..

وللأمانة .. فأنا لا أشعر بفرحة كبيرة لنيلي الشهادات العليا ..
قدر ما كانت فرحتي عندما أقف أمام أحد بعلمي وثقافتي ..
من غير شهادة تدعمني ..
فالآن ..
عندما أتكلم مع أحد .. قد لا ينظر إلى ما أحمله من علم حقيقي قدر
ما ينظر إلى شهاداتي .. وهذا .. لا يعجبني بالتأكيد ..
أشعر أنهم يُقدرون مؤهلي ( على ورق ) أكثر من تقديرهم لشخصي ..

أتمنى أن تنتهي نظرة الآخرين إلى أن الشهادة هي كل شيء ..
لأن واقع ما نراه أن الكثيرين من حاملي الشهادات العليا .. ربما لا يستطيعون
القراءة كما ينبغي ..
وأن الكثيرين من ( مَن يسمونهم - أميين ) ثقافتهم أكبر وأكبر من حاملي
الشهادات الكبيرة ..

أطلت عليكم ..
ولكنها قصة طويلة ..
قد أكتب تفاصليها يوما ما ..
فخورة بها ..
وفخورة بوالديّ اللذين عملا لتمييزنا عن الآخرين بما يكون شرفا لهما ولنا ..


أسماء هيتو


 

الإسم :

البريد الإلكتروني :

أضف تعليك هنا: